الدراسة الجامعية بين رغبة الأهل وحلم الطالب…

ولاء عربي _ صحافة الشباب العربي

جرب أن تسأل طفلاً لم يدخل المدرسة بعد، ما هو حلمك؟ ليجيبك على الفور: حلمي أن أصبح طبيباً.. أو مهندساً.

هذه المسميات يقولها الأطفال نقلاً عن أهلهم، فهم يتكلمون بلسانهم ويتحدثون عن شيء لا يعرفون ماهيته بعد، فالأحلام تزرع في رؤوسنا عنوة كما الطعام الذي نجبر على أكله أحياناً، فهكذا تربى آباؤنا وهكذا تربينا وسنربي أبنائنا مستقبلاً، ليكون رسم المستقبل هو عادة متوارثة تضاف لقائمة طويلة من الموروثات البالية التي لا زالت تقيدنا فكرياً وتعيق تقدمنا.

تقسم الكليات الجامعية في البلدان العربية إلى كليات النخبة وهي الطب والهندسة، لتأتي كليات التدريس في مرتبة أدنى ولتكون المهن الحرفية من نصيب الفاشلين، يتعلمونها في الورش وسوق العمل، واذا ألقينا نظرة على الدول الأوروبية لنجد أن مهنة التعليم تحتل المرتبة الأولى، تليها كليات الفنون والفلسلفة، نحن نعرف هذا الأمر ولكننا ننظر له بعين الغير مهتم، ما لنا وما لهم فنحن لا نقتدي بهم إلا بطريقة اللباس فقط، لتبقى نظرتنا للتعليم ثابتة لا تتغير، فدراسة الطب أوالهندسة هي من تضمن لك المستقبل الواعد وقيمتك كفرد على الصعيد الإجتماعي تحددها دراستك.

“كنان” خريج هندسة زراعة تحدث لصحافة الشباب العربي بالقول: “أنا موهوب بالفن ورسومي مميزة منذ الصغر، إلا أنني درست في الجامعة الهندسة الزراعية، لأن مستقبلها أكثر ضماناً، فالفن في بلادنا لا يطعم الخبز كما يقول الجميع، وعلي البحث عن عمل آخر ليبقى الفن موهبة وحسب، حياتي الجامعية كانت عادية وأنا الآن موظف، وأتابع عملي في الرسم بشكل ثانوي، الغالبية من رفاقي دخلوا فروعاً بناء على رغبة الأهل، فقلة قليلة من تدرس رغبتها الحقيقية وتحقق طموحها، ذلك لأننا محكومون بمجموعة قوانين حياتية صارمة، منها الوضع الاقتصادي والمادي والوضع الإجتماعي، فخريج كليات الهندسة والطب يختلف عن خريج كليات الآداب”.

“ميسون طليعة” مدرسة لغة فرنسية قالت: “سأتحدث من منطلق تجربة شخصية، كان أحد طلابي متميزاً ومتفوقاً وفي الثانوية حصل على معدل مرتفع يؤهله لدراسة الطب، ولكنه لم يدرس الطب البشري وعندما سألته عن السبب لاحظت أن جوابه نابع من فهم وإدراك، إذ قال لي: “لاينبغي أن يكون الجميع أطباء، حتى وإن كان معدل الدخول إلى كلية الطب هو الأعلى في سورية، لدينا العديد من الاختصاصات غير موجودة مثلاً هندسة الطيران، وعلى الصعيد العام نحن بحاجة لباقي الاختصاصات كما حاجتنا للطب والهندسة، المشاريع والمنشآت لكي تنجح ينبغي أن ندرس التجارة مثلاً أو المحاسبة وغيرها”.

أحلام الشباب هي أساس لدراستهم وهذا رأيي الشخصي، ينبغي على الأهل تنمية مهاراة ومواهب ابنهم، وتوجيهه مستقبلاً ليدرس الفرع الذي يتوافق مع رغبته، وفي الوقت الحالي ساهمت الجامعات الخاصة بتحقيق رغبة العديد من الأشخاص، سابقاً كان معدل النجاح يتحكم بالدراسة وفقاً للعلامات، اليوم الدراسة متاحة في العديد من الجامعات وحسب علامات ورغبة الطالب، رأي الأهل ينبغي أن يكون توجيهياً لا أكثر، كونهم الأكبر سناً والأدرك لأبعاد الأمور، إلا أن لتحقيق الحلم نكهة مختلفة”.

الصحفي “عبدالله قطيني” قال: ” ليس بالأطباء والمهندسين وحدهم ترتقي الأمم، وإلا لكان القائمون على جائزة نوبل قد منحوها فقط للمبدعين في هذين الاختصاصين دوناً عن باقي التخصصات والمهن بالعالم، فكل إنسان يستطيع أن يبدع في تخصصه أو مهنته.

وهنا أود وبكل فخر أن أشارك تجربتي الشخصية، ففي عام ١٩٧٦ حصلت على شهادة الثانوية العامة الفرع العلمي من ثانوية “جودة الهاشمي” في “دمشق”، وكان مجموع علاماتي حينها يؤهلني لدخول كلية هندسة العمارة في جامعة حلب، ولكن على الصعيد الشخصي أفضل دراسة التجارة والاقتصاد ومع ضغط الأهل والمجتمع المحيط بدأت بدراسة العمارة، وخلال أيام جاء نقلنا مكرهين إلى كلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية بنفس الجامعة، وزادت أحوالنا سوءاً كنت أذهب إلى المحاضرات مكرهاً، ولا أحد من الأهل أو من الأصدقاء يمكنه أن يستوعب اتباع الرغبة بالاختصاص الجامعي، إلى أن اتخذت قرار مواجهة المجتمع، واتخذت قراراً بنفسي تحملت مسؤوليته وتحولت إلى دراسة العلوم السياسية وتخرجت عام ١٩٨٥ وعينت مباشرة في الإعلام وعملت ٣٠ عاماً، وقدمت استقالتي فيما بعد.

المجتمع الذي يحمل في ذهنه حشر أبنائه في الطب والهندسة هو مجتمع متخلف، معظم علماء الفضاء من خريجي كليات الرياضيات، أنا لا أجبر أولادي على أي اختصاص، ميولهم ورغباتهم هي الأساس في الدراسة، هنالك آلاف الأطباء عياداتهم فارغة وكذلك آلاف المهندسين يقبعون خلف مكاتبهم بلا عمل، أنصح الأهل بأن يتبعوا رغبة الطفل ويكتشفوا موهبته في الدراسة كي يبدع في المستقبل”.

الفنان التشكيلي ومدرس الفنون “نضال خويص” أضاف: “إن سياسة الاستيعاب والقبول الجامعي التي جاءت مشروطة بمعدلات القبول أيضاً ساهمت إلى حد كبير بترسيخ فكرة الأفضلية في التخصص لدى المجتمع عموماً، ومقروناً أيضاً بمدى الإنتاجية المادية لهذه التخصصات مما أنشأ مفاهيم خاطئة حول جدوى الدراسة بالفروع الأخرى، ومدى القدرة على استثمارها وتوظيفها معنوياً ومادياً.

مع العلم أنه يجب الفصل بين العلم والتحصيل المعرفي من جهة وبين مدى التوظيف والفائدة الاقتصادية من جهة ثانية، وأنه يجب على الفرد في المجتمعات السليمة أن يختار التخصص الدراسي بناء على رغبته وقدراته وميوله بغض النظر عن آراء الآخرين أو الأسرة، بغض النظر عن رأيي بمدى الفائدة من دراسة الفنون الجميلة مثلاً في مجتمع لايقيم وزناً للفنون لأسباب مزمنة وموروثة”.

وتبقى أحلام الشباب متأرجحة بين واقع اقتصادي ومعاشي، وبين أحلام تعشش في الأذهان وحسب، محظوظ من يستطيع تحقيق أحلامه ومحظوظ من تهبه الحياة من يرشده، ولكنها في النهاية مسألة قناعات يحددها المجتمع بضوابطه وعاداته ومفاهيمه المختلفة.

أحدث المقالات