طبيب ينقذ سيدة في الجو ويزيد عدد ركاب الطائرة واحداً!

آية دويعر _ صحافة الشباب العربي

في رحلة على متن الخطوط المصرية المتجهة من مصر إلى لندن، قطع هدوء الجو وشرود الركاب نداء طاقم الضيافة “لو في طبيب، يا ريت يعرف عن نفسه” ومن هنا ابتدأت الحكاية.

عرّف طبيب الأطفال وحديثي الولادة، د.معتز فتحي عامر الذي كان على متن الطائرة عائداً إلى لندن، عن نفسه منطلقاً من واجبه الإنساني والمهني، وتوجه فوراً للسيدة التي تشتكي الألم لينقذها ويعود إلى مقعده بعد أن إزداد ركاب الطائرة واحداً!

الدكتور معتز فتحي

وفي حديث خاص لموقع صحافة الشباب العربي مع د.معتز فتحي، أخصائي أطفال وحديثي ولادة ومدرس الزمالة البريطانية لطب الاطفال، وصاحب مركز ” Master the clinical MRCPCH” لتدريس طب الاطفال، يسرد لنا خلاله ما حدث، قائلاً:
“عندما سمعت نداء الطاقم، قدّمت نفسي تلقائياً، ليجيبني المضيف سنحتاجك بالتحديد، توجهت للسيدة الحامل وعرفت عن نفسي للتخفيف من توترها، سألتها أهم الأسئلة الخاصة عن تاريخ الحمل والأعراض التي تمر بها، استمريت بالأسئلة لحين تأكدت أنها أعراض ولادة حقيقية لكونها حامل في الأسبوع ال٣٥، وتبين أن الأغشية المحيطة بالطفل سليمة. فاتفقت معها على ضرورةِ الراحة والاستلقاء لحين اكتملت أعراض الولادة”.

رغم الأجواء المليئة بالتوتر والقلق، والتي كانت تسيطر على الطائرة؛ إلا أن د.معتز أو “المنقذ” كما سمّوه، استطاع إنقاذ الموقف والأم والطفلة معاً.

ويكمن التحدي الأصعب أنه طبيب اختصاصي أطفال وحديثي الولادة .. وليس نسائية وتوليد!
فبحكم طبيعة عمله منذ ١٢ عاماً، عمليات الولادة موقف يتكرر أمامه بشكل يومي لكنه بالعادة لا يتدخل بالعملية نفسها وإنما عند أول ثانية بعد خروج الطفل لإنعاشه الرئوي.

لكنه سبق أن أجرى عمليات توليد تعد على أصابع اليد الواحدة وفقاً لكلامه، وبحكم فترته التدريبية الأولية كطبيب امتياز منذ سنوات فهو مُطلع على جميع التخصصات سواء الأطفال أو الجراحة والتوليد والطوارئ، وشهد على آلاف العمليات.

يكمل لنا د.معتز ما حدث على متن الطائرة عندما اتضح أن عملية الولادة وشيكة الحدوث، فأبلغ قائد الطائرة بضرورةِ الهبوط الإضطراري، لكن شاء القدر أن تولد الطفلة في السماء، ويعلّق: “نقلت المريضة إلى الجزء الأخير في الطائرة، لتتم عملية الولادة، فُرشت الأرض بالأغطية، ومنعنا الموبايلات والتصوير تماماً وأغلقنا الغرفة بالستائر لخصوصية الأم”.

أما عن الأدوات التي استخدمها في هذه العملية البطولية
يضيف: ” المعدات الموجودة في الطائرة بالطبع معدات بسيطة جداً، لكن في بعض الأحيان بحكمِ طبيعة عملي أحيّد قليلاً عن التوصيات العلمية في حالاتِ الطوارئ، لكوني “حكيم” مما يتطلب مني تحكيم الموقف بسرعة بديهة وفطنة عالية.

فمثلاً توجد تفاصيل كثيرة كان يجب أن أفعلها أثناء عملية الولادة ولم تتم، وأخرى العكس وتمّت، لأني في وضع خاص للغاية ولو كنت بالمستشفى لإتبعت أسلوب وطريقة أخرى كلياً بدءاً من المعدات التي لم تتجاوز مقص، ومشبك للطفل، ومشبك سرة لربط الحبل السري للأم.

لكن على الرغم من تلك المعدات البسيطة تمت العملية بنجاح وعلى أكمل وجه وأتت الطفلة بصحة جيدة هي وأمها، بعدها مباشرة طلبت إغلاق التكييف في الطائرة بالكامل وأعطيت الطفلة القليل من الجلوكوز للحفاظِ على سكر الدم”.

وصلت الطفلة بصحة جيدة وهبطت على متن الطائرة بسلام، مازحهم الطبيب المصري قائلاً: “سموها مصر” لحبه الكبير لبلده واعتزازه بها، لكنها سُميت “نانسي” على اسم المضيفة التي كانت بجانب الأم ولم تتخلى عنها طوال الرحلة.

وبالحديث عن طاقم الضيافة، يخبرنا د.معتز:
“طاقم ضيافة مصر للطيران كان متعاون لأقصى حد، وفي “هارموني” مثالية، سواء في احترام القرارات دون مناقشة مثل عندما طلبت هبوط إضطراري لم يتردد الكابتن أبداً، بل على الفور نظموا هبوط اضطراري في أقل من ٣٠ دقيقة لأقرب مطار إلينا، حيث تم الهبوط في ألمانيا التي كنا نحلّق في مجالها الجوّي. بالإضافة لتنفيذ كل طلباتي بسرعة عالية بعد ثانية من الطلب، من أكسجين ومقص وكحول طبية لتمم العملية بنجاح، وتلاها وصول الفريق الطبي الألماني الذي أثنى على العمل واحترافيته”.

ضجّت الطائرة بالتصفيق والشكر للطبيب ولطاقم الضيافة على إنقاذِ حياة الأم والطفلة، أما عن د.معتز فلم يدرك أنه قدم عمل بطولي، فهو أدى واجبه كإنسان وطبيب حسب قوله، وعندما وصلت الرحلة إلى لندن ذهب إلى منزله بشكل طبيعي، لحين استيقظ في اليوم التالي ووجد نفسه “تريند” يتصدر مواقع التواصل، والمنشورات جميعها تتحدث عنه وعن بطولته وأصبح حديث وسائل الإعلام المختلفة في مصر وخارجها بعدما شارك ركاب الطائرة المنشورات والصور عن الحادثة.

ويقول: ” شعرت بسعادة وفخر كبير حينما قيل طبيب “مصري” ينقذ حياة سيدة “يمنية”، فشعرت أننا يد واحدة كشعوب عربية مترابطة، قلوبها على بعض بالرغم من اختلاف الحكومات، وأسعدني كذلك كم رسائل الشكر والإطراءت التي وصلتني من أهلنا في اليمن ومختلف البلدان العربية وحملت اسم بلدي مصر واسمي”.

أما عن أبرز الصعوبات التي واجهها الطبيب أثناء عملية الولادة، والتي تتمحور حول فايروس كورونا الذي بات مصدر قلق حقيقي في الظروف الطبيعية فكيف في هذا الظرف الاستثنائي، يقول: كنت قلق من فايروس كورونا لكوني إنسان وأب وطبيب كذلك، لكن طبيعة عملي في المستشفى بشكل يومي محفوفة بالمخاطر، ورغم ذلك أحرص على تأدية واجبي على أكمل وجه، فالكمامة والمعقمات والإجراءات الوقائية لا يفارقونني أبداً، وهذا ما اتبعته أثناء عملية الولادة وتأكدت أن لا يدخل ميكروب للأم من خلال التعقيم الكلي واتباع الإجراءات الوقائية المشددة ١٠٠%”.

هذا ليس أول نجاج للطبيب معتز، فهو بجانب عمله في مشتفيات جامعة بريستول، كمختص أطفال وحديثي الولادة، كذلك يُدرس بالزمالة البريطانية منذ أكثر من ٦ سنوات، وهو محبوب جداً من قبل طلابه الذين حضروا محاضراته من حول العالم، هذا ما لامسناه بعد الإطلاع على رسائل الشكر والإمتنان الموجهة إليه من طلابه على موقعه الإلكتروني.

يلخص لنا الطبيب معتز تجربته: “أديت واجبي فحسب، وهذا ما جعلني “بطل” في عيون الناس، واختتم حديثه بالآية القرآنية: (وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً)-صدق الله العظيم-.

أما عن الصغيرة “نانسي” ملاك الطائرة، فهي وأمها بصحة جيدة، وتلقت من شركة مصر للطيران أول هدية في حياتها وربما من أثمنها وهي تذاكر سفر مجانية طوال حياتها.

أحدث المقالات