حُرّمتُ من التعليم و حُلمي أن أصبح معلمة

صفاء صلال – صحافة الشباب العربيAYP

بصوتٍ متهدِّجٍ ، تروي هُدى، من دَير الزّور الواقعةِ شرقَ سوريا؛ رحلة نُزُوحِها وعائِلتَها من حيِّها الشَّعبيِّ في دَيرِ الزَّور، إلى ريفِ الرَّقة شمالًا، إثرَ اشتدِاد وطأةِ الحربِ في مدينتِها.

رِحلة نُزوحِ الطّفلةِ بدَأتْ من حيِّ الحَميديَّة بدَيرِالزَّورِ، وصولاً إلى مِنطقةِ الجَزرَاتِ بريفِ الرَّقة ،استمرَّت مُدَّة نزُوحِهِم ثلاثةَ أعوامٍ .

لا زالتْ ذاكرةُ الطِّفلة التي أتَمَّتْ عقدَها الأوَّل، تحتفظُ بكلِّ تفاصيلِ تلك السَّنواتِ ، تحاول جاهدةً خلالَ حديثِها معنا وصفَ ما جرَى، بأدقِّ التَّفاصيلِ، إلَّا أنَّها تقول بلهجتها العامِّيَّة: “مَا بحسّ بالوجَع إلّا صاحبه”، لذلك لن أستطيعَ إيصَالَ ما أحسَسْتُ به من خلالِ الكلماتِ والجُمَلِ!!.

تمتلكُ هُدى تفكيراً أكبر من عمُرِها، هذا ما انعَكسَ مِن خلالِ حديثِها. حيث علَّقت قائلةً : ” خلالَ سنواتِ النُّزُوحِ يكونُ العُمُرُ مُجرّدُ رقمٍ في حياةِ صاحِبِه، عِشتُ في تلكَ السَّنواتِ تجاربَ جعلتْنِي أُفكِّرُ بطريقةٍ مختلفةٍ عن باقي صدِيقاتِي .

انقطعَتْ هُدى عن المَدرسةِ خلالَ تلكَ المَرحلة من حياتِها، بسبب ِ إقامةِ عائلَتِها في مِنطقةٍ تخضَعُ لسَيطرةِ ” تنظيمِ داعش”، الَّذي يمنعُ الفتياتِ من الذَّهابِ إلى المدرسةِ، ويُجبرُهنْ على ارتياد الجَوامعِ عِوضاً عنها.

تقولُ هُدى أنَّها كانَت تذهبُ للجامعِ برِفقةِ أختَيْها، الكبرى التي تبلغُ خمسةَ عشَرَعاماً، والوسطى التي تكبُرُ هدى بعامٍ.

وتضيف أنّ ذهابَهُن للجامع كان بشكلٍ يوميٍّ، بإستثناءِ يومِ الجُمُعةِ، كانتْ تُشرِفُ عليهن ” مسؤولةٌ “، كما أسْمَتْها هُدَى، مُهمَّتُها إجبارَهُن على تلاوةِ القرآنِ الكريمِ مُشيرةً إلى أنَّ المسؤولةَ كانَتْ تتحدَّث بلغةٍ غيرِ مَفهومَةٍ .

لا زالتِ الفتاةُ تضعُ الحِجابَ على رأسِها حتّى اليومِ، بعد إجبَارِها على ارتدَائِهِ من قبل التَّنظيمِ، آنذاك، كما أنّه ألزمَ جميعَ الإناثِ بارتدَاءِ اللِّباسِ الشَّرعيِّ ( كما يُسمِّيه) .

اتّخذَتِ العائلةُ قرارَ العَودةِ إلى دَيرِ الزَّورِ، إثرَ قيامِ التَّنظيمِ بجَلدِ والدِ هُدى، وضَربِهِ ومُعاقبَتِه، بسببِ تدخينِه سيجارةً أمامَ منزلِه.

عند سؤالنَا هُدى عن تلكَ الرِّحلةِ، قالتْ بلهجةٍ ديريَّةٍ: ” كانت أيّام صَعبة بحيل (كثيراً) ، ضلينا نمشي من قريةٍ لقريةٍ حتى وصَلنا الدَّيرَ.

خلالَ السنواتِ الماضيةِ كنّا مجبَرين على كلِّ شيءٍ، لم نكن نجرُأُ على التَّحدُّثِ، أو الرَّفضِ، أو حتّى الخروجِ من المَنزلِ “.

شجَّعَت والدةُ هُدى بناتِها على العودة للالتحاقِ بالمَدرسَةِ مِن جَديدٍ، وإكمَالِ تعليمهِن، مِن خِلالِ بَرنامجِ تعليمٍ مُكثّفٍ، أقرّته وزارة التّربيَةِ، علّهن يعوضنْ ما فاتهن خلال الفترةِ السَّابِقةِ.

تُكمِلُ هُدى حديثَها، بأنَّ والدتَها كانت تُردِّدُ على مسامعِهِن هذهِ العِبارةِ : ” حيّي القلم.. حيّي العلم ،” لتَحفيزِهن على الدِّراسةِ وطلبِ العلمِ، فهو على حدِّ قولِها أفضلُ مَا تفعلُه الفتاةُ في حياتِها، ويُكسِبُها تقديراً في مُجتمَعِها .

تصفُ هُدى المدرسَةَ قائلةً : “ستقودُنِي إلى المُسْتقبلِ الَّذي أنتظرُه بفارغِ الصَّبرِ”، وتحلُمُ بأنْ تُصبِحَ مُعلِّمَةً للُّغةِ العربيَّةِ.

وبحركةٍ سَريعةٍ، تفتحُ الفتاةُ ذِرَاعيها على امتدادهما، وتقولُ بلهجتِها العامِّيَّة البسيطةِ : “هل قد كنت مبسوطة لمّا رجعت على مدينتي ومدرستي) ،إشارَة إلى أنّ فرحتها كانت كبيرةٌ جدًّا) .

رُغم أنَّ السَّنواتِ الماضيَة الّتي عاشَتْها هُدى، حرَمَتها من كثيرٍ من معالِمِ طُفُولَتِها، إلّا أنَّها لم تُفقِدْها براءَتها وإصرَارَها على الحُلم .

يرحب موقع صحافة الشباب العربي بمساهماتكم بكتابة قصص إنسانية. بإمكانكم مراسلتنا على: yothpress.ar@gmail.com

إقرأ المزيد من حكاية إنسان 

 

الورد مثل البقدونس

 

الطفل يمان فقد والده، وعمل على بسطة لينقذ عائلته

 

تحت أنقاض الموت … استيقظ الحلم .. ” محمد ” وكلية الإعلام

 

سيدة تخسر أطفالها بالقصف، وتنجب طفلاً مجهول النسب 

 

غياب الأب جعل أحمد مسؤولاً عن عائلة 

 

يتم خلفته الحرب، الطفلة ” رنيم ” حاربت ألمها