فقد يده وحُرم من رؤية ابنته الوحيدة؛ لكنَّ وجعه لم يثنه عن هدفه …

روان لحلح _ صحافة الشباب العربي

“أنت مهدّد بالقتل” هكذا كانت الرسالة التي حملها إليه صديقه ذات ليلة حين عاد من عمله، فما كان منه إلّا أن لملم أغراضه وقرّر الخروج على الفور وغادر المكان مسرعاً خوفاً على عائلته الصغيرة؛ رغم أنّه على  حسب قوله “كنت كافي خيري وشرّي” …

“رامز” شاب ثلاثيني طموح اختار أن يعيش في مدينة أخرى غير مدينته طلباً للرزق عمل في مجال التصوير و”الفوتوشوب” ولقي نجاحاً في هذا المجال أراد مع صديقٍ له تأسيس شركة للعمل بمجال التسويق وكان الأمر بمثابة حلمٍ لهما أوشك على التحقيق.

بدأت الإضرابات في المنطقة وعطّلت أعمال كثيرين كان “رامز” أحدهم، ولم تتوقّف المعاناة عند تعطّل عمله بل زاد الأمور سوءاً تلقّيه للتهديد الذي جاء كالصفعة على وجه حالم كانت حياته تتطوّر للأفضل يوماً بعد يوم، وتعباً إثر تعب …

خرج رامز من المدينة ممسكاً بأحلامٍ ويد طفلة وزوجة وحقيبة ثياب صغيرة، لم يستطع أخذ شيء معه يعينه في رحلته .

عاد أدراجه نحو دمشق دون أيّة ممتلكات وهنا بدأ صراع البحث عن عمل وإعادة تكوين اسم له في مكان آخر منذ البداية، وما يتوجّب عليه من تأمين حاجات أسرته وتدبّر إقامة …

في دمشق لم يقطن حيث يسكن أهله، فالوضع لم يكن يسمح بالإقامة معهم وبدأت بذلك رحلة التنقّل من فندق لفندق ومن مكان لآخر وأنفقت العائلة ما كانت تملكه بما فيه “ذهب” الزوجة الذي دُفع ثمن أجرة بيوت وغرف ….

في أواخر 2011 كان العمل في دمشق شبه معدوم وخاصّة في مجاله، فلم يجد نفسه إلّا في خضمّ حربٍ أشعلت نيرانها حوله .

يحكي “رامز” قصّة إصابته بقوله: ” في مكان قريب من المنطقة يلي ساكن فيا طلع بوشّي حدا معو رشّاش رماني بخمس طلقات وحدة منن تسببت بفقدان حركة إيدي اليوم، وكنت بوقتا لحالي”

بعد أن عرف رفاقه بإصابته، قاموا بإسعافه لمكانٍ قريب، عرّضه فيه الطبيب للكهرباء ليقول بعد ذلك: “العمر ألكن”، يتابع “رامز”: “غطّوني وأخدوني ليحطّوني بالبرّاد … الممرضة قبل ما انحطّ بالبرّاد لقت في نبض”.

عُرّض مجدّداً لصدمات كهربائيّة وأسعف لمشفى أخرى ليبقى سبعة أيّام في العناية المشدّدة ويستيقظ بعد ذلك فاقداً حركة يده …

يحكي لصحافة الشباب العربي عن تلك الفترة: “فقت لقيت أسلاك وشرايط وإيدي عليها سياخ ضلّيت أتعالج فترة 3 شهور تقريباً باستثناء إيدي فقدت فيها الحركة كليّاً … الرصاصة أثّرت ع الأعصاب” ….

مرّت فترة مريرة من العلاجات استغرقت سبعة شهور، وفي هذا الوقت غادر أهل زوجته إلى الأردن تخوّفاً من الوضع الذي كان يهدّد سورية في تلك المرحلة وبخوفٍ منه على ابنته نور وزوجته طلب إليهما أن تغادرا مع عائلة الزوجة بانتظار ما يكتبه القدر …

لم يكاد ينهي ألم العلاج حتّى كان عناءً آخر بانتظاره، فبعد أن غادرت زوجته مصطحبة ابنته التي كانت تملك أربع سنوات من العمر مع عائلتها … بعد ذلك بفترة سادت خلافات مع أهل زوجته الذين لم يريدوا أن تعود لسورية هي أو ابنته، ولم يستطع هو الوصول إليهم لانقطاع الطريق …

مرّت أربع سنوات أخرى، صار فيها عمر الطفلة النازحة لبلدٍ أخرى ثمانية ولاتعرف منذ هذه السنوات شيئاً عن والدها ولا هو بالمقابل يعرف شيئاً عن أخبارها، فقد انقطع التواصل طيلة هذه السنوات وبعد فترة وبصعوبة كبرى استطاع أن يتدبّر رقماً يوصله لعائلته …

لكن الأرقام فشلت في إعادة العائلة عائلة واحدة، الخلافات والبعد دفعه للطلاق من زوجته وبضغطٍ من عائلتها لم يكن يتواصل مع ابنته صوتاً … هي صور قليلة تُرسل إليه كلّ فترة تزيد اللوعة لا أكثر وتزيد وجع الأب الذي لم يكمل رحلة أبوّته ….

بمحيطٍ سوداويّ لا يخفّف من حدّة الألم وقسوته كان يعيش، فاقداً رفاقه وأسرته بفترة عنوانها كما سماها “التيه”، قال في نفسه ذات مرة: “لطالما أنه لا أحد يشجعني عليّ أن أعود بنفسي للحلم الماضي”، لم يكن هذا الأمر سهلاً عليه، إصراره على أن يثبت نفسه ويحقق مايريد  هو من جاوزه العقبات وخفف عليه ذلك …

سخّر وقته لشغفِ “التصميم” و “الفوتوغراف” واستطاع أن يعمل مع أشخاصٍ في الخارج أحبّوا عمله  كالعراق وغيرها من البلدان، وفي هذه الفترة كما يقول “قطعت نص الطريق، والحمد لله عم اشتغل بدون ما اضطر لحدا يساعدني” قاصداً بذلك إصابته التي لم تستطع أن تسلبه طموحاً … ذلك الطموح الذي أخمدته الحرب وتآمرت عليه الظروف ليعود منتصراً رغم الألم ويعيد الأمل لروحِ صاحبه الحالمة ….

استطاع رامز أن يتجاوز الألم لكنه لم يستطع أن يتجاوز الحنين للعائلة… لابنته … لبيت دافىء كان يقطنه.

أحدث المقالات