“هذيان ” بقلم رند عيسى…

رند عيسى

“هذيان” …

20 “يناير” …
سئمت من هلوستي بك يا هذا، من أنت ؟ ومن أنا ؟
هل أنا التي مزّق الخذلان روحها فاحتمت بطيفك ؟ أم أنا المهووسة بأدقّ تفاصيلك ؟
لا عليك، لقد كان هذا زماناً طويلاً، لم أعد أتأمّلك بذات الدهشة خوفاً على عينيّ التي أرهقتها التفاصيل …

لكنَّ الأمر بات متعباً يا صديقي، ورمشك الأخير هذا أتعبني وهو يحثّني في كلّ مرّة على البحث في وجهك عن تفاصيل أخزّنها في ذاكرتي لأمد بعيد، أطبطب بها على قلبي الحزين بسبب غيابك الطويل …

27 “يناير” …
بدأ غيابك يطول كثيراً، إلى متى يا شقيق الروح ؟
المدينة كلّها نائمة وقلبي شقيّ لا ينام؛ أستذكر جلستنا الماضية … سحر ابتسامتك وعينيك هذا السحر الذي يجعلني أتخدّر في كلّ مرّة وأحتمل هذا الغياب …
عد في هذه الليلة، فقط أخبرني أنّك تحبّني وأننّي شخص مهمّ في حياتك؛ دعني أرى عينيك وابتسم لي بحبّ كما كلّ مرّة، وسأحتمل ابتعادك مرّة أخرى …

12 “فبراير” …
ها هي الساعة العاشرة، لقد مضت ليالٍ طويلة أنتظر شبحك خلف النافذة وأنتظر مجيئك بغباءٍ أنثويّ عاشق!

تذكّرت علبة السجائر التي نسيتها معي في آخر مرّة رأيتك فيها أتذكر ؟ نهضت مسرعة نحوَ قميصي الذي كنت أرتديه، لقد كان يحمل رائحتك ورائحة عطرك بعدَ آخر عناق، نسيت علبة السجائر ونسيت من أنا ولماذا جئت إلى هنا … كانت رائحتكَ وحدها كفيلة بأن تنفض الغبار عن قلبي وتحدث بداخله ثورة “أريدك الآن”
مرّت نصف ساعة وأنا أجلس في مكاني والقميص بين يدي وأبكي، تذكّرت علبة السجائر بحثت في القميص، وجدتها … لم أنتبه على نفسي، سقطت دمعة هاربة على العلبة، رفعت رأسي وجاء بصري نحو مرآة معلّقة على الجدار البعيد المقابل لي، ما الغلط بي ؟ ما الذنب الذي لم يغفر لي ؟ ما الخطيئة التي ارتكبتها ولم أنتبه على نفسي والآن تحاسبني عليها ؟ هل هكذا تكون جهّنمك ؟ …

27 “مارس” …
ستّون يوماً بالضبط يمرّون ستّين قرناً منذ غيابك، اليوم جدّدت شوقي وانتظاري وتأمّلت رؤيتك … فتحت الباب، نظرت في الشوارع ببلاهة طفلة تحاول رؤيتك وأنت قادم لتركض نحوك وتعانقك مرحّبة بمجيئك، لم ترأف بقلبي …

الآن أنا لا أريد منك أن تعترف لي ولنفسك أنّك تحبّني، أو أنَّ وجودي مهمّ جدّاً في حياتك، فقط افعل شيئاً يجعلني أشعر أنّني في قلبك، يجعلني أشعر أنّني –في يومٍ ما- كنتُ شخصاً تحبّه جدّاً، كنتُ شخصك الأهمّ!

أعرف أنّك نسيتني وأنّني الآن لست إلّا ذكرى عابرة في حياتك، لكن على الأقلّ امنح اعتباراً لهذه الذكرى، أنا –إلى الآن- لا أحتمل غيابك .. أحتاجك بشدّة …

8 “أبريل” …
ماذا حدث ؟ ما الذي فعلته بي ؟
ما الذي جعلني أتعلّق بك إلى هذا الحدّ ؟
أنا أهذي، أراك من خلف النافذة تطرق الباب، أفتح الباب ولا أجد أحد، أحاول الانشغال بأعمالي فأسمع وقع أقدامك، أركض بلهفة، وأفتح الباب مجدّداً لا شيء في الطريق، صرير ريح كاذب … يدور في ذهني كلّ ما كنت تخبرني به، عد الآن واسرد لي كلّ شيء يخصّك بتفاصيله المملّة!

عد مرّة أخرى وتأمّلني كما كنتَ تفعل، لطالما اعترفت لنفسي بأنَّ هزيمتي الأولى كانت طريقتك وأنت تتأمّلني …
عد وصف لي ملامحي كما كنت تفعل مغازلاً إيّاي بأسلوب يؤرق قلبي لليلتين!

تحاورني بأمورك الجديّة، ثمَّ تسكت بمنتصف الحديث وتطيل النظر بعيني، تخبرني بأنّك مطمئنّ لأنّني هنا، معك، والآن أنا فقدت طمأنينتي وسلامي الداخليّ كلّه في غيابك …
أمسيتُ دماراً …

مظهري كامل، لكن روحي أشلاء مبعثرة على شاطئ الذاكرة، الذاكرة الحلوة المرّة! أنا أراك، أقسم أنّك أمامي، لماذا أنت بعيد عنّي هكذا ؟ اقترب .. اقترب وأجبني عن ملايين الأسئلة التي تضرب ذهني .. اقترب وامسح سيل الدموع الذي صار على وشك الانهيار .. أين أنت الآن ؟ لقد اختفيت مرّة أخرى … عليكَ اللعنة!

19 “أبريل” …
اليوم مختلف قليلاً، أخيراً اتخذت خطوة حاسمة وقرّرت التخلّص منك .. ذهبت إلى عيادة طبيبٍ نفسيّ سجّلت مواعيدي على ورقة وعلّقتها بمنتصف الجدار إلى جانب القميص الذي يحمل رائحتك … لا اطمئنّ سأغسل القميص قريباً، أنا لم أعد أشتاقك والقميص هذا لا يهمّني … حسناً أنا كاذبة؛ لكنّني متأكّدة أنّي في يومٍ ما سأغسله، عندما أنتهي منك .. أتعرف ؟
ليتني أتقيّأ قلبي …

22 “أبريل” …
الجلسة الخامسة عند الطبيب، دائماً يسألني أسئلة سخيفة جدّاً ويحاورني بأمور لا جدوى منها، ودائماً أقاطعه عندما أجد أنَّ الحوار أصبح مملّاً جدّاً وأسأله السؤال ذاته، السؤال الذي وخز قلبي قبل عقلي “لماذا رحلت”!!!
“لماذا لم تكلّف نفسك أن تودّعني حتّى”!!!

يرمقني بنظرة ازدراء، لايهمّ أنا بنظره مريضة نفسيّة حتّى لو حاول أن يفهم وجهة نظري، ولماذا أتيت، أنا حقّاً مريضة، مريضة بك … لكنّني واثقة أنّه لن يفهمني مهما حاول، لأنّني أحدّثه عن شيء قطعت فيه آلاف الأميال تفكيراً بينما هو لم يذهب فيه ولو خطوة واحدة!
لكن أحاول، وهذا يكفي …

26 “أبريل” …
أخيراً، بدأ الأمر يتحسّن كثيراً، والطبيب يخبرني اليوم للمرّة الثالثة بأنّه يشعر بفارق كبير عن الجلسات الأولى .. حتّى أنا أشعر براحة أكبر، وبدأت أتحرّر من قيود أسرتني لأشهر طويلة، غادرته وأنا أرى كلّ شيء مختلف، أنظر للسماء بعينٍ أعياها السهر، هناك مواساة من الغيم تربّت على روحي، أخيراً الحياة من جديد …

2 “مايو” …
جلس الطبيب أمامي …
– أخبريني كيف حالك اليوم ؟
– أفضل من كلّ مرّة ..
– أتتذكّريه ؟
– من تقصد ؟
– هو ..
– من هو ؟
– الغائب البعيد …
– وهل الغائب البعيد يريد العودة ؟
– لا، أبداً …
– إذاً، لا لا أتذكّره …
أشرق وجه الطبيب، وابتسم ابتسامة لطيفة جدّاً نظر إليّ مفتخراً، جعلني أشعر كما لو قلت كلاماً باهراً بحقّ نفسه …

– رائعة أنت، تحسّن ممتاز، أهنئك، ستكون هذه جلستنا الأخيرة …
خرجت من عنده وفي صدري ارتياح عظيم، كلّ شيء كان مذهلاً هذا النهار لا يدور في ذهني الآن سوى شيء واحد أريد أن أفعله …
وصلت المنزل وأخرجت الكرسي الخشبيّ الصغير الذي تحبّه، وضعته أمام الباب وجلست أنتظرك لتأتي كي أخبرك بما حدث، أرجوك ….
لا تتأخّر .

إقرأ المزيد من أنا الكاتب

يرحب موقع صحافة الشباب العربي بمساهماتكم بقصة ، خاطرة أو نص أدبي . بإمكانكم مراسلتنا علىyothpress.ar@gmail.com

أحدث المقالات