سعاد خيري كاتبة عراقية، آثرت السجن لتبقي على جنسية بلادها

روان لحلح _ صحافة الشباب العربي 

مرت حياة هذه السيدة بأحداثٍ كثيرة، تطور فيها فكرها ولم تزدها السنين إلّا حبّاً لبلدها “العراق“، وتمسكاً بأرضه رغم أنّها عانت كما عانى وطنها … ربّما وحدة المعاناة هي من جعلت العاشق يؤثر البقاء مع معشوقه على الرحيل في وسط النضال …

 

إنّها “سعاد خيري” هذه الكاتبة العراقية التي احتفلت قبل مدّة بعيد ميلادها ال91 وهي تردد أناشيد الوطن وأغانيه التراثية…

 

سكنت في مدينة “العمارة” مع عائلة فيها أمّ وجدّ مثقف، ما أسهم بدخول “الراديو” لبيتهم رغم قلة عدد من اقتنوه حينها في أواسط الثلاثينات من القرن المنصرم، وهنا بدأت مسامعها على صغر تتغذى بالأخبار والمفاهيم النضالية والوطنية، وشاهدت بغداد للمرة الأولى حين أنهت المرحلة الابتدائية، فأحبت هذه المدينة بحيويتها ومحلاتها وشوارعها، وانتقلت لبيت عمتها لكنها لم تكن تحبّ البقاء هناك فلم تجد فرقاً بين الأوضاع في الحيّ الذي كانت تسكنه وحيّ بيت عمتها ….

 

اعتنقت الفكر الماركسي بعد التعمق فيه أكثر عن طريق خطيب شقيقتها الذي شرح لها أكثر حول الشيوعية والديالكتيك وأعطاها الأمثلة، في هذه المرحلة بدأت أفكارها تتضح لها أكثر بعد أن أعادت نظرتها لمواقفها وعلاقاتها الاجتماعية ورسمت أهدافها وأثر فيها ذلك الوقت وزاد فيها احترامها للشيوعية بعد قوله: “كنت وطنياً قبل أن أصبح شيوعياً وعندما أصبحت شيوعيّاً شعرت بمسؤولية أكبر تجاه وطني” ….

 

على رأس قائمة أهدافها وضعت تكريس عمرها للإنسانية ولأجل الشعب والناس، وكانت “الكتابة” وسيلتها للنضال بقلمها ولاقت تشجيعاً من قبل زوجها “زكي خيري” الذي تزوجته عام 1964م وأنجبا “يحيى” و “وداد” واستغرقت منها رحلة النضال بالقلم نصف قرن عملت خلالها على تأليف الكتب في اختصاصها وفكرها، تلك المؤلفات التي سنوردها ختام مقالنا …

 

حين كان عمرها 20 سنة فقط حكمت بالسجن المؤبد تحت تهمة التوجه وهددت بعدها واختفت مرات وحبست مجدّداً مرّات أخرى، وفي المعتقلات حاولوا إجبارها على الهجرة لإسرائيل كونها “يهودية” فاعتنقت الإسلام واختارت أن تبقي على جنسيتها العراقية، وكان ردها على العرض بأن يطلق سراحها مقابل هجرتها بأنّها لو بقيت طيلة حياتها بالسجن لن تترك العراق …

 

عام 1961م تابعت “سعاد خيري” دراستها العليا في “موسكو” عن مجال الاقتصاد والتخطيط الذي نالت ماجستير عنه عام 1967م وحصلت على الدكتوراه بعد ذلك، وقبل هذه المرحلة خاضت في أعمال عديدة بعد إطلاق سراحها إثر التغييرات السياسية التي جرت في “العراق” ومن تلك الأعمال موظفة في مصرف الرافدين ثمَّ انتقلت للعمل الحزبيّ ونشطت في الصحافة والقضايا التنظيمية والتثقيفية وعملت أيضاً كعضوة في سكرتارية مكتب الصحافة وسنة 1980م عملت في مجلة قضايا السلم والاشتراكية في “براغ” …

 

تنقلت عبر حياتها ما بين بلاد كثيرة رفقة زوجها ومنها “براغ” حيث أمضت فترة مع أسرتها فيها وأيضاً “سورية” و “موسكو” لتنتهي بها الرحلة اليوم في “السويد” بعد فقدانها شريك دربها “زكي خيري”، وهي وبعمرها لاتزال تنشط في مجالات الفكر وتكتب وتؤلف وتشارك وتبقي على مشاعرها للعراق الذي آثرت ذات يوم السجن على التخلي عن جنسية تربطها به ….

 

أمّا عن الكتب التي ألّفتها “سعاد خيري” فهي، “من تاريخ الحركة الثورية المعاصرة في العراق 1920-1958” والذي طبع في بغداد و “فهد والنهج الماركسي اللينيني في قضايا الثورة”، و “المرأة وآفاق التطور في العراق”، إضافة إلى “دراسات في تاريخ الحزب الشيوعي” و “صدى السنين في كتابات شيوعي عراقي مخضرم” و “مراجعات ماركسية لزكي خيري” وغيرها من المؤلفات ….

 

يبقى الحبّ الذي يولد في قلب الإنسان رفيق رحلته، وكلّ قضية يعتنقها ويناضل لأجلها تصير مع الوقت بمثابة حياة له، ها هي “سعاد خيري” كرست حياتها لأجل أن تعبر على طريقتها عن حبها لذاك البلد الذي عانت معه ذات وقت مرّ، وكتبت فيه ومن أجله ولا تزال…