عن “عميد الأدب العربيّ” طه حسين … في يومِ رحيله ….

روان لحلح _ صحافة الشباب العربي 

لم يفقده فقدان بصره بصيرته، بل استطاع أن يفوق ذوي البصر علماً وأدباً … أبدعَ في ميادين عديدة منها الشعر والتاريخ والفلسفة، وترك بصمته على صعيد المقال والرواية والقصّة القصيرة إضافة للترجمة … إنّهُ الأديب الراحل “طه حسين” …

نشأته وحياته:

ذات خامس عشر من “نوفمبر” تشرين الثاني استقبلت الحياة “طه حسين” في قرية بمحافظة “المنيا” المصريّة، ليكون سابع الأبناء لعائلةٍ كبيرة من ثلاثة عشر طفلاً وأبوين … استقبال الحياة ل “طه” لم يدم طويلاً فسرعان ما باغتته وهو طفل في سنواته الأولى إثر تعرّضه لمرضٍ وتعامل العائلة بالجهل الذي كان طاغياً والعرف العام إذ لم يجلبوا له “الطبيب” بل استدعوا “الحلّاق” الذي لم ينجح بإعطائه العلاج الصحيح.

والد “طه حسين” موظّف بسيط في شركةِ “سكّر” أدخل ابنه “كتّاب” القرية ليتعلّم كيف يكتب ويحسب و يتلو القرآن، فاستطاع أن يذهل أستاذه والعائلة حين حفظ القرآن بفترة قصيرة …

ثابر في رحلته التعليميّة ففي عام 1902م حاز الشهادة التي تؤهّله لدخول الجامعة، وفي عام 1908م انتسب “طه حسين” للجامعة المصريّة ليكون أوّل منتسبٍ إليها وليتابع سير ثقافته تعلّم هناك بمجالاتٍ عديدة منها الجغرافية والتاريخ وأيضاً اللغات المختلفة …

لم يتوقّف شغفه بالعلم لدى إحراز شهادة جامعيّة، فدفعه الطموح لنيل “الدكتوراه” التي كان موضوعها “ذكرى أبي العلاء”، وفي هذه الأثناء كان لازال يتردّد على الأزهر لحضور الدروس … موضوع أطروحته أثار ضجّة وانزعاجاً من قبل الأوساط الدينيّة فحوربت أفكاره وما كانت تلك الحرب إلّا طريقاً ليصير “طه حسين” من أفضل رجال الجامعة ….

الرحلة الأدبيّة – العاطفيّة:

أوفدَ إلى “فرنسا” ليتابع تخصّصه وبعد معاناة مابينَ محاربيه في البلاد والغربة التي احتضنت علمه، وبدأ فيها يجهّز لأطروحة “الدكتوراه” الثانية وهذه المرّة في الفلسفة، وتزوّج من فرنسيّة سويسريّة الجنسيّة ليزيد ثقافته بتعلّم لغة جديدة والإبحار فيها أكثر، وكان هذا الحبّ الذي تلقّاه دافعاً قويّاً له وعوناً ليصبح أديباً كبيراً …

زوجته كانت تقراً له وتوفّر المراجع الخاصّة بفاقدي البصر، وعن أدبه الذي أينع بالحبّ فقد دعا “طه حسين” لنهضةٍ أدبيّة واتّسمَ أسلوب كتابته بالسهولةِ والوضوح ولم توقفه المعارضات عن إكمال أفكاره ممّا دعاه لتقديم مقترحاتٍ جريئة دفعت التقليديّين من دارسي الأدب العربيّ للثورة عليه أكثر وأكثر …

كانَ مبحراً في النجاحات فقد حاز مناصب وجوائز عديدة فقد مثّل “مصر” في مؤتمر الحضارة المسيحيّة الإسلاميّة في مدينة “فلورنسا” في إيطاليا وانتخب عضواً في المجلس الهنديّ المصريّ الثقافي، وأشرف على معهد الدراسات العربيّة العليا، ورشّح من قبل الحكومة المصريّة لجائزة “نوبّل” ومنح من جامعة “الجزائر” الدكتوراه الفخريّة، وكذلك من جامعة “مدريد”، وحاز “نوبّل” مرّة أخرى وشغل منصب وزير التربية والتعليم في “مصر”، وعقدت “اليونسكو” تكريماً مميّزاً من أجله …

أعمال “طه حسين”:

ثمانون عاماً من الإبداع والتميّز، أثمرت بحراً وفيراً من المؤلّفات نذكر بعضاً منها:

_ على هامش السيرة
_ مرآة الإسلام
_ فلسفة ابن خلدون الاجتماعيّة
_ حديث المساء
_ غرابيل
_ مع أبي العلاء في سجنه
_ مع المتنبّي
_ الحياة الأدبيّة في جزيرة العرب
_ فصول في الأدب والنقد
_ حديث الأربعاء
_ قادة الفكر
_ ألوان
_ صوت باريس
_ الأيّام
_ بين بين
_ أحلا شهرزاد
_ ما وراء النهر
_ لحظات
_ في مرآة الصحفي
_ شجرة البؤس
_ مذكّرات طه حسين

إضافة لمؤلفات أخرى تشي بإنسان كرّس حياته لقلمه …
بعض من أقواله:

– “أحسن المعرفة معرفتك لنفسك، وأحسن الأدب وقوفك عند حدّك”.

– “الفضيلة بالعقل والأدب، لا بالأصل والحسب”.

– “الأبوّة والأمومة لا تعصم الأبّ والأمّ من الكذب والعبث والخداع”.

– “وما أعرف شيئاً يدفع النفس ولاسيما النفوس الناشئة إلى الحريّة والإسراف أحياناً فيها كالأدب”.

– “إذا أسرف الشيء في الوجود فهو غير موجود سواء رضيت الفلسفة عن هذا أم لم ترضَ”.

– “الشاعر والفيلسوف وصاحب الفنّ طفل مهما يكبر”.

– “محبّة المعرفة لا تفترق عن الإيمان”.

– “منذ أن سمع صوتها لم يعرف قلبه الألم”.

– “حذارِ، فإنّني لم أجد تجارة أربح من بيع الأحلام”.

– “الحاجة أقوى من الحيطة”.

– “بدونكِ أشعر أنّي أعمى حقّاً .. أمّا وأنا معكِ فإنّي أتوصّل إلى الشعور بكلّ شيء، وإنّي أمتزج بكلّ الأشياء التي تحيط بي”.

– “إنَّ الحبّ لا يسأم ولا يملّ ولايعرف الفتور، ولابدَّ أن تلحّ في حبّك حتّى تظفر بمن تحبّ أو تفنى دونه”.

في تشرين الثاني أقدم على زيارة الكون، وبعد سنوات قليلة فقد بصره، فاستبدل عينيه بنور أدبه … وفي تشرين الأوّل من عام 1973م غادر “طه حسين” الحياة عن عمر 83 سنة من الفكر، غادرَ لكنَّ الضوء الذي كان مبعث قلمه لا زال يشعّ على رفوف القلوب والمكتبات …

أحدث المقالات