” ميّ زيادة … عن شغوفةِ الفكر، أديبة النهضة في يومِ رحيلها ” …

روان لحلح _ صحافة الشباب العربي

أخذها عشق الأدب واللغة العربيّة أبعد من ذلك بقليل، فما وجدت نفسها إلّا مبحرة في عشقها أكثر لتغدو اليوم واحدة من الأديبات اللواتي تركن بصمتهنّ في ذاكرة التاريخ … فحين نقول الروائيّة أو الشاعرة أو الكاتبة أو حتّى الصحافيّة جميعها طرق تؤدّي للإبداع، وتؤدّي بالتالي لاسمٍ لن ينساه الأدب ولا القرّاء، إنّها الأديبة “ميّ زيادة” …

لمحة عن حياتها

“ولدتُ في بلد، وأبي من بلد، وأمّي من بلد، وسكني في بلد، وأشباح نفسي تنتقل من بلد إلى بلد” هكذا قالت واصفةً حياتها، هي “ماري إلياس زيادة” مولودة “الناصرة” إحدى أجمل المدن الفلسطينيّة ذات حادي عشر من “فبراير” شباط عام 1886م … والدتها سوريّة ووالدها لبناني لكنهما سكنا في فلسطين وأثمر ذاك الخليط من البلدان “ميّ” التي أتقنت إضافة للغتها العربيّة لغات أجنبيّة كثيرة منها الفرنسيّة والألمانيّة والإنجليزيّة واليونانيّة والسريانيّة وغيرها،

وقد عمل والدها معلّماً ولكونها وحيدة أبويها فقد حظيت باهتمامٍ منهما ورعاية فائقة، ولميّ أخ متوفّى … تقول والدتها حبّاً بها: “إنَّ من ينجب ميّاً لا ينجب غيرها”، وعن دراستها الأولى فقد تلقّت قواعد القراءة والكتابة في بلدتها الفلسطينيّة التي فارقتها بعد فترة بحكم انتقال عمل أبيها للبنان وكتبت إليها ما يعبّر عن خلود أيّام الطفولة هناك في ذاكرتها …

انتقلت لمدرسة الراهبات بعد ذلك وحافظت على اهتمامها باللغات، كما تعلّمت العزف على “البيانو” الذي منحها شعوراً دافئاً بالتحليق يشبه ذاك الذي منحتها إيّاه الكتابة …

رحلتها الأدبيّة:

شغفها باللغة العربيّة واهتمامها بحفظ الشعر، تشجيع والديها وأمور أخرى أهمّها الحبّ الذي كان يمنحها القدرة على الإبداع دوماً، دوافع حفّزتها للخوض في عالم الأدب أكثر؛ حيث كانت البداية مع الصحافة المصريّة التي نشرت لها مقالات متنوّعة منها الاجتماعيّة والنقديّة والأدبيّة ومن هذه الصحف “الزهور” و “الهلال” و “المقتطف” وغيرها كما يذكر أنّها خلال تجربتها الصحفيّة كتبت العديد من المقالات تحت أسماء مستعارة، أمّا عن الإصدارات الأدبيّة فكان مولودها الأوّل من الكتب عام 1911م والذي كان ديواناً شعريّاً …

إنجازات “ميّ” لم تقف عند المجال الأدبيّ وهنا يأخذنا الحديث عن إصدارها فيما بعد لصحفٍ عديدة إضافة إلى الأثر الشهير “صالون ميّ زيادة الأدبي”، فكرة الصالون لمعت في ذهنها انطلاقاً من إيمانها بالحريّة الفرديّة والاستقلال ودعوة منها لتحرير المرأة في وقتٍ كانت فيه الحياة تأخذ تحوّلاً شاملاً، وفي 24 نيسان عام 1913م أذاعت مشروعها فتلقّت تشجيعاً من الحضور، وكان ذلك حين ذهبت لإلقاء كلمة نيابة عن “جبران” في تكريم الشاعر “خليل مطران” …

بداية الصالون كانت في الطابق العلوي لجريدة الأهرام واستقطب المشروع كتّاب كثيرين منهم إسماعيل صبري، منصور فهمي، سلامة موسى، أمين المعلوف، مصطفى صادق الرافعي، أحمد شوقي، خليل مطران، إبراهيم المازني، عباس محمود العقّاد، طه حسين، وآخرين.

كان المشروع الأوّل من نوعه في مصر الذي تديره “امرأة” أديبة وطغت عليه الحريّة الفكريّة والاجتماعيّة وكان بالدرجة الأولى صالون للأدب بمنأى عن السياسة والتيّارات الحزبيّة وما إلى ذلك ممّا جعل نتاجه مثمر، وحازت “ميّ” ملكة الحديث فكان الجميع هناك يشعر أنّه بمنزله،

وعن “الصالون الأدبي” قال “طه حسين”: “كان صالوناً ديمقراطيّاً مفتوحاً، وقد ظللت أتردّد عليه أيّام الثلاثاء إلى أن سافرت إلى أوروبا، وأعجبني منه اتّساعه لمذاهب القول وأشتات الكلام وفنون الأدب، وأعجبني منه أنّه مكان للحديث بكلّ لسان ومنتدى للكلام في كلّ علم”، وقد زار الصالون مفكّران أمريكيّان كان أحدهما “هنري جايمس” القاصّ الأمريكي الشهير ….

أعمال “ميّ زيادة”:

هي أعمال سمتها التعمّق في الفكر لانتقاء أجمل ما فيه، ثمَّ إضفاء الإحساس عليه والقضيّة لجعله كلام يعبر لروح القارئ، ومن هذه الأعمال كان:

– كتاب “المساواة”
– “باحثة البادية”
– “بين الجزر والمدّ”
– “رجوع الموجة”
– “سوانح فتاة”
– “ظلمات وأشّعة”
– “عائشة تيمور”
– “غاية الحياة”
– “وردة اليازجي”
– والكتاب المترجم “ابتسامات ودموع”

“ميّ” محطّ إعجاب أدباء كُثر:

“أكلّ هؤلاء عشّاق؟ وعلى كلّ هؤلاء لمن ينبغي لميّ أن تجيب جواب المحبوبة التي تتقبّل العشق ممّن يدّعيه؟” هكذا كتب “العقّاد”، فقد أبدى أدباء وشعراء وخصوصاً روّاد صالونها أو من التقوها في “الجريدة” إعجاباً وحبّاً بها وكان منهم “طه حسين” و”أنطون الجميل” و”أحمد شوقي” وغيرهم إعجابهم بميّ لكنّها هي لم تحبّ إلّا “جبران خليل جبران” الذي لم تلتقيه إلّا في الرسائل …

حكاية “ميّ” و”جبران”:

تعرّفت إليه عبر الرسائل حين أبدت رأيها بقصيدة له ثمَّ بكتابه “الأجنحة المتكسّرة”، وحين طُلب منه أن يرسل كلمته لحفل تكريم الشاعر “خليل مطران” طلب أن تكون “ميّ” هي من تقرأ الكلمة نيابة عنه؛ بعد ذلك بدأت المراسلات بينهما حتّى وقع الحبّ في عام 1919م الذي حمل الرموز والتلميحات أكثر منه صراحةً فقد تشاركا لغة الأدب التي تنأى عن تمسية الأشياء كما هي لاجئة إلى الرمز، فقد قال واصفاً علاقتهما: “الدقيقة، والقويّة، والغريبة، وأنّها أصلب وأقوى بما لا يقاس من الروابط الدمويّة والجنينيّة حتّى والأخلاقيّة”، ورغم أنّه ارتبط بأخريات لكن مراسلته لميّ دامت حوالي 20 عاماً قيل أنّهما تجنّبا فيها اللقاء، انتهت المراسلة بوفاة جبران ما أحزن قلب “ميّ” وجعلها تشعر بوحدةٍ وفقد …

بعض أقوالها:

– “ما اللؤلؤة إلّا ابنة الألم الطويل وثمرة داء دفين”.

– “إنّي أخاف من الحبّ كثيراً، ولكن القليل من الحبّ لا يرضيني”.

– “كم نتذرّع بالذكاء والعلم لنقول كلاماً سخيفاً”.

– “الألم محسن كبير لأنّه يجرّدنا من الغرور والدعوى”.

– “الكتاب هو المكان الوحيد في العالم الذي يمكن أن يلتقي فيه غريبان بحميميّة كاملة”.

– قضبان النوافذ في السجن تنقلب أوتار قيثارة لمن يعرف أن ينفث في الجماد حياة”.

– ليس ما يحمل على تقدير الحياة وحبّها كشهامةِ الرجل الشهم”.

– “إنّما حياة الإنسان على الأرض جهاد مستمرّ رغم كونها محض عبور”.

وهكذا لم يكن عبور “ميّ زيادة” محض عبور، بل خلدت في تاريخ الأدب بعد أن جاهدت باستمرار في قلمها لتوافيها المنيّة في مثل هذا اليوم 17 “أكتوبر” تشرين الأوّل عام 1941م عن عمر 55 عاماً من الإبداع والحُبّ ….

أحدث المقالات