يوم رحل “أمير الشعراء” أحمد شوقي، مخلّداً إبداعاته في قلوب القرّاء…

روان لحلح _ صحافة الشباب العربي

“مولاي وروحي في يدهِ … قد ضيّعها سلمت يدهُ
ناقوس القلب يدقّ له … وحنايا الأضلع معبده ”

لطالما ردّدنا هذه الكلمات أو سمعناها بصوتِ مغنيّين كُثر، فهل خطر في بالنا أن نسأل من المبدع الأوّل الذي خطّت يداه هذه القصيدة المتدفّقة الشعور “مضناك جفاه مرقده” ….

لمحة عن حياته:

في 16 “أكتوبر” تشرين الأوّل عام 1868م ولد الشاعر والكاتب المصريّ “أحمد شوقي”، كان ذلك في القاهرة لأبٍ شركسي وأمّ يونانيّة-تركيّة كما تقول مصادر أخرى أنَّه لأبٍ كرديّ وأمّ تركيّة شركسيّة …

كانت جدّته التي عملت “وصيفة” في قصر الخديوي إسماعيل تصطحبه معها وتتكفّل بتربيته خاصّة أنّها كانت غنيّة، وفي عمر الرابعة التحق “شوقي” بكتّاب واستطاع أن يحفظ بعض السور القرآنيّة إضافة لتعلّمه القراءة والكتابة …

بعد ذلك أصبح طالباً في مدرسة تحمل اسم “المبتديان” وهناك ظهر تميّزه؛ ذاك التميّز الذي كانت مكافأته إعفاء “أحمد شوقي” من مصاريف المدرسة، وفيما بعد شُغفَ بحفظ الشعر حتّى راق مذاق القصيدة للسانه …

درس بعدها في مدرسة “الحقوق” تحديداً في قسم “الترجمة”، وكان هذا القسم حديث الإنشاء وفي هذه المدرسة أظهر براعة شعره حتّى استعذب وقعه أستاذه “الشيخ محمّد البسيوني”، وباكتشافه إبداعاته رأى أنَّ “أحمد شوقي” اسماً سيصير يوماً نحماً في سماء الشعر والأدب …

رحلته الشعريّة:

أرسله الخديوي “توفيق” على نفقته إلى فرنسا، وهناك أيقن ميوله وصار الشعر والأدب يندفق في دمه كما الحبر في قلمه؛ كما شارك مع رفاقٍ له في تأسيس جمعيّة “التقدّم المصري” ليناضلوا على طريقتهم الخاصّة ضدّ الاحتلال الإنجليزي …

غربة “شوقي” لم تسلب عشقه للثقافة العربيّة وللمبدعين الكبار أمثال “المتنبّي” من قلبه، ولأنَّ المبدع يبدع أينما حلّ فقد تأثّر أيضاً بالشعراء الفرنسيّين من أمثالِ “موليير” …

حين عاد شوقي إلى مصر مدح الخديوي “عباس” … الرجل الذي تولّت أسرته الحاكمة تقديم الرعاية له في بداية رحلته، كوفاءٍ منه ربّما وكحبّ للمبادئ التي كانت سائدة آنذاك وممّا خلّفه مديح الأسرة الحاكمة كان أن نُفي لإسبانيا من قبل الإنجليز…

في عدادِهم منفى، وفي نظرته الشاعريّة رحلة جديدة واكتشاف لحضارة عظيمة فقد اطّلع على الأدب العربيّ والأوروبيّ وخاض بالحضارة الأندلسيّة، ولم ينسَ تلك البلاد التي غادرها مرغماً وهي محطّ مخاطر احتلاليّة فسخّر شعره نائياً عن المديح للدعوة لتحرير “مصر” التي حمّله ابتعاده عنها حزناً كبيراً …

في تاريخ 1920 عاد إلى مصر، وبعدها بسبع سنوات بويع كأميرٍ للشعر ومن قبل الشعراء العرب جميعهم، فلم يكن لقباً فقط بل حقيقةً جسّدتها قصائد “شوقي”، ليتفرّغ بعد ذلك للمسرح الشعريّ ويطرح فيه أعمال عدّة …

نظرة على أعمال “أحمد شوقي”:

من يحظى بالاطلاع والخوض، ليس الاطلاع فحسب على الحضارات العربيّة والغربيّة، ومن يمتلك قلماً يسعفه على البوح الجميل سيخلّد بلا شكّ أعمالاً هي إرث للأدب والشعر، وهذا ما فعله أحمد شوقي … إلينا الأعمال التي قام بتقديمها عبرَ حياته:

– الشوقيّات: هو ديوان ضخم جُمعت فيه أعماله الشعريّة ويقسّم لأجزاءٍ أربعة الأوّل منها يحتوي شعر الصبا والمدائح والشعر الوطني والقصائد الاجتماعيّة وقد قام بكتابة مقدّمة هذا الجزء “محمّد حسنين هيكل”…

والجزء الثاني من الديوان يحتوي أشعار الغزل والوصفيّات وأبيات أخرى متفرّقة؛ بينما الثالث للمرثّيات والرابع متفرّقات من أشعاره …

– روايات شعريّة تمثيليّة: منها “مصرع كليوباترا” و”مجنون ليلى” و”قمبيز” و”علي بك الكبير” و “عنترة” إضافة إلى مسرحيّة “الست هدى” …

– كتاب “دول العرب وعظماء الإسلام” المتضمّن فصلاً كاملاً عن السيرة النبويّة …

– في النثر: “عذراء الهند” و “لادياس” و”ديل وتيمان” و”شيطان بنتاؤور” و “ورقة الآس” .

– مقالات جمعت بعنوان “أسواق الذهب” احتوت موضوعات عدّة …

– قصائد مدح في شخصيّات منها “الخديوي إسماعيل” و”توفيق” و”عبّاس” و”حسين” و”فؤاد” وسلاطين آخرين، وفي الرثاء رثى أمّه وأباه وجدّته وشعراء وكتّاب أمثال “حافظ إبراهيم” و”فكتور هوغو” و غيرهم …

– أبدع في أسلوب الغزل والوصف وله قصائد في مدح الرسول “عليه الصلاة والسلام” …

سمات شعره:

اتّسم شعره بالنهضة والتجديد، وأضفى تنوّع ثقافته سمة التميّز لأشعاره … يستوحي “شوقي” مفرداته من أحداث عدّة سياسيّة واجتماعيّة وأخذ من القدامى طريقة الغزل .

ينظم دون عناء قصائده لبديهته المتدفّقة، وتبدو الموسيقى جليّة في كلمات أشعاره والإحساس المرهف …

عُرف بخوضه في الوجدانيّات، كيف لا وهو الذي قدّم الكثير من المواقف كحبّه لمصر وتقديمه مشاكل عصره ومديحه وحمله هموم الناس …

أبيات متنوّعة من شعره:

– قُم للمعلّم وفّه التبجيلا *** كاد المعلّم أن يكون رسولا
أعلمت أشرف أو أجلّ من الذي *** يبني وينشئ أنفساً وعقولا

– وُلد الهدى فالكائنات ضياء *** وفم الزمان تبسّم وثناء

– نظرةٌ، فابتسامة، فسلام *** فكلام فموعد، فلقاء
ففراق يكون فيه دواء *** أو فراق يكون منه الداء

– وطني لو شُغلت بالخلد عنه *** نازعتني إليه في الخلد نفسي

– سلامٌ من صبا بردى أرقُّ *** ودمعٌ لا يكفكف يا دمشق

– لو يجازى المحبّ عن فرطِ شوقٍ *** لجزيتُ الكثير عن أشواقي

– قالت لعلَّ أديب النيل يحرجنا *** فقلت هل يحرج الأقمار رائيها
بيني وبينك أشعار هتفتُ بها *** ما كنت أعلم أنَّ الريم يرويها

– عابوكَ إذ وجدوا صنيعك بارعا *** ورأوا سبيلك في الحياة قويما

وما هذهِ إلّا أبيات قليلة منتقاة من بحرِ شعرِ “أحمد شوقي”، الذي يصادف اليوم 14 “أكتوبر” تشرين الأوّل يوم رحيله وكان ذلك في عام 1932م ليترك لنا رسالةَ شعرٍ حاكها برقّةِ بوحٍ لتأخذ على ألسنتنا ذكراً أبديّاً جميلاً ……..

أحدث المقالات